محمد العامري الغزي
87
المطالع البدرية في المنازل الرومية
العين الحمئة إيرادها بمكان يعرف بأستك ، بهمزة مفتوحة على وزن مرتك ، عند عين ماء نمير تجاه بسطه ، وربيع قد فرش بسطه ، وأظهر سروره وبسطه ، وأخرج سوسانه ولسانه وقرطه ، فبتنا به ليلة السبت ثامن شوال ، ثم عزمنا على الترحال وشددنا الخيل وحمّلنا البغال [ 38 ب ] : [ من البسيط ] حين شاب الدّجى وخاف من الهجر * فغطّى المشيب بالزعفران « 1 » فلمّا سرنا قليلا لحقني الأمير جانم ومعه جماعة فسلّموا وقالوا : أردنا المثول لخدمتكم في هذه الساعة « 2 » . فقلت : ما الخبر ؟ فقالوا : سؤال حضر . فقلت : ما السؤال ؟ فتقدم الأمير جانم وقال : هو عن قوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ « 3 » فقلت : ما المقصود ؟ فقال : الضمير في خلقه وما بعده على من يعود ؟ فقلت : على عيسى . فقال : قد وقع بين علماء القاهرة فيه إشكال فإنّه قال خلقه من تراب فتم الخلق بهذا المقال ، ثم قال له كن هذا تحصيل حاصل أي وهو محال ، فقلت : كلا ، بل المقصود بقوله خلقه من تراب صوّر هيكله الجسماني ، وبقوله ثم قال له كن نفخ فيه الروح وأتم فيه البشرية والخلق الإنساني . فشكر وأثنى وذكر أنّ ذلك التحقيق لم يسمعه إلّا منّا ، ولم يزل يتودّد ويتواضع ويتلطّف ويتخاضع ، فلما تعالى النهار وترافع ، وتوالى حرّه وتتابع ، وصلنا إلى مدينة المصّيصة « 4 » بعد أنّ سلكنا مسالك وعرة عويصة ، [ 39 أ ] وهي مدينة بكثرة الأشجار والمياه مخصوصة يجري بفنائها نهر جيحان وبها عليه جسر عظيم البنيان ، وعليها بابان يقفلان عليه إلى الآن ، وقد كانت من غرر البلدان ، وانتشأ بها جماعة من الأعيان ، لكنها الآن خربت ،
--> ( 1 ) البيت في معاهد التنصيص 2 : 98 منسوبا لأبي العلاء المعري . ( 2 ) وردت في ( ع ) : « المشاعة » . ( 3 ) سورة آل عمران آية 59 . ( 4 ) المصّيصة : مدينة على شاطىء جيحان ، من ثغور الشّام بين أنطاكية وبلاد الرّوم ، تقارب طرسوس . ( معجم البلدان 5 : 145 ) .